الآلوسي
191
تفسير الآلوسي
وكيف زيفوا طريقته وطعنوا فيما هو عليه ، وإن كانوا مكذبين بذلك فهو يوجب كفرهم والعياذ بالله تعالى وهو مما لم يقل به أحد ووجه الانحلال ظاهر . * ( ااقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ ) * * ( اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَو اطْرَحُوهُ أَرْضاً ) * الظاهر أن هذا من جملة ما حكى بعد قوله سبحانه : * ( إذ قالوا ) * وقد قاله بعض منهم مخاطباً للباقين وكانوا راضين بذلك إلا من قال : * ( لا تقتلوا ) * الخ ، ويحتمل أنه قاله كل منهم مخاطباً للبقية ، والاستثناء هو الاستثناء ، وزعم بعضهم أن القائل رجل غيرهم شاوروه في ذلك وهو خلاف الظاهر ولا ثبت له ، والظاهر أن القائل خيرهم بين الأمرين القتل والطرح . وجوز أن يكون المراد قال بعض : * ( اقتلوا يوسف ) * وبعض * ( اطرحوه ) * والطرح رمي الشيء وإلقاؤه ، ويقال : طرحت الشيء أبعدته ، ومنه قول عروة بن الورد : ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا * من المال يطرح نفسه كل مطرح ونصب * ( أرضاً ) * على إسقاط حرف الجر كما ذهب إليه الحوفي . وابن عطية أي ألقوه في أرض بعيدة عن الأرض التي هو فيها ، وقيل : نصب على أنه مفعول ثان - لاطرحوه - لتضمينه معنى أنزلوه فهو كقوله تعالى : * ( أنزلني منزلاً مباركاً ) * ( المؤمنون : 29 ) ، وقيل : منصوب على الظرفية ، ورده ابن عطية . وغيره بأن ما ينتصب على الظرفية المكانية لا يكون إلا مبهماً وحيث كان المراد أرضاً بعيدة عن أرضه لم يكن هناك إبهام ، ودفع بما لا يخلو عن نظر ، وحاصل المعنى اقتلوه أو غربوه فإن التغريب كالقتل في حصول المقصود مع السلامة من إثمه ، ولعمري لقد ذكروا أمرين مرين فإن الغربة كربة أية كربة ؛ ولله تعالى در من قال : حسنوا القول وقالوا غربة * إنما الغربة للأحرار ذبح * ( يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبيكُمْ ) * بالجزم جواب الأمر ، والوجه الجارحة المعروفة ، وفي الكلام كناية تلويحية عن خلوص المحبة ، ومن هنا قيل : أي يقبل عليكم إقبالة واحدة لا يلتفت عنكم إلى غيركم ، والمراد سلامة محبته لهم ممن يشاركهم فيها وينازعهم إياها ، وقد فسر الوجه بالذات والكناية بحالها خلا أن الانتقال إلى المقصود بمرتبتين : على الأول وبمرتبة على هذا ، وقيل : الوجه بمعنى الذات ، وفي الكلام كناية عن التوجه والتقيد بنظم أحوالهم وتدبير أمورهم لأن خلوه لهم يدل على فراغه عن شغل يوسف عليه السلام فيشتغل بهم وينظم أمورهم ، ولعل الوجه الأوجه هو الأول * ( وَتَكُونُواْ ) * بالجزم عطفاً على جواب الأمر . وبالنصب بعد الواو باضمار أن أي يجتمع لكم خلو وجهه والكون دمن بَعْده ) * أي بعد يوسف على معنى بعد الفراغ من أمره . أو من بعد قتله . أو طرحه ، فالضمير إما ليوسف أو لأحد المصدرين المفهومين من الفعلين . * ( قَوْماً صَالحينَ ) * بالتوبة والتنصل إلى الله تعالى عما جئتم به من الذنب - كما روي عن الكلبي - وإليه ذهب الجمهور ، فالمراد بالصلاح الصلاح الديني بينهم وبين الله تعالى ، ويحتمل أن المراد ذلك لكن بينهم وبين أبيهم بالعذر وهو وإن كان مخالفاً للدين لكونه كذباً لكنه موافق له من جهة أنهم يرجون عفو أبيهم وصفحه